في خطوة استراتيجية حاسمة تهدف إلى استعادة الأمجاد التاريخية وحماية الهوية الزراعية المصرية، أصدرت وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي قراراً قاطعاً بمنع زراعة القطن قصير التيلة بشكل كامل في جميع محافظات الجمهورية. وتضمن القرار إيقاف زراعة الصنف الأمريكي الشهير بـ "الأبلاند"، وذلك في تحرك عاجل لدرء أي مخاطر قد تهدد عرش "الذهب الأبيض" المصري في الأسواق الدولية.
درع واقٍ لحماية النقاء الوراثي
لم يكن هذا القرار وليد اللحظة، بل جاء استجابة لمطالبات واسعة من خبراء الزراعة وصناع الغزل والنسيج. فزراعة الأقطان قصيرة التيلة بالقرب من الحقول المصرية كانت تنذر بكارثة زراعية تتمثل في "الخلط الوراثي" عبر التلقيح الخلطي أو اختلاط البذور في المحالج. هذا الخلط كان من شأنه أن يدمر الخصائص الفريدة للقطن المصري، مثل طول التيلة، والنعومة، والمتانة الفائقة التي جعلت منه العلامة التجارية الأغلى والأكثر طلباً في مصانع الأزياء الفاخرة حول العالم.
عقول مصرية تصنع الفارق
ومع إغلاق الباب أمام الأقطان المستوردة قصيرة التيلة، وجهت الدولة دعمها الكامل للاعتماد الحصري على الأقطان المصرية طويلة وفائقة الطول. وأشادت الوزارة بالجهود الجبارة التي يبذلها علماء "معهد بحوث القطن" التابع لمركز البحوث الزراعية، والذين نجحوا على مدار عقود في استنباط وتطوير سلالات قادرة على المنافسة الشرسة، ومن أبرزها:
قطن جيزة 86: يُعد العمود الفقري لصادرات القطن المصري، حيث يتميز بإنتاجية وفيرة في الحقل ومواصفات غزل ممتازة تلبي احتياجات المصانع المحلية والعالمية.
قطن جيزة 97: يمثل طفرة علمية حقيقية، فهو من الأصناف "المبكرة النضج"، مما يعني أنه يوفر كميات هائلة من مياه الري، ويسمح للمزارع بإخلاء الأرض مبكراً لزراعة محاصيل شتوية أخرى، فضلاً عن جودته الفائقة.
قطن جيزة 98: الجندي المجهول في معركة "التغيرات المناخية"، حيث تم تطوير هذا الصنف خصيصاً ليتحمل الارتفاعات القياسية في درجات الحرارة والظروف البيئية الصعبة، مع الحفاظ على إنتاجية عالية ونسبة تيلة استثنائية.
رسالة طمأنة للأسواق العالمية
يرى الخبراء الاقتصاديون أن هذا القرار يمثل "رسالة طمأنة" قوية لكبرى العلامات التجارية العالمية في أوروبا وآسيا، مفادها أن مصر لن تساوم على جودة قطنها. كما يتماشى هذا التوجه مع الخطة القومية للنهوض بصناعة الغزل والنسيج وإنشاء أكبر مصانع الغزل في الشرق الأوسط بمدينة المحلة الكبرى، والتي تعتمد في تشغيلها على الأقطان عالية الجودة لإنتاج خيوط رفيعة تصدر للخارج بأسعار مضاعفة.
بهذا القرار، تكتب مصر فصلاً جديداً في تاريخ زراعتها، مؤكدة أن "الذهب الأبيض" سيظل مصرياً خالصاً، يعتمد على أصالة الأرض وإبداع عقول أبنائها.

