في مشهد يُعيد للصناعة المصرية بعضًا من بريقها المنتظر، تستعدّ مجموعة العربي للأجهزة المنزلية لإطلاق أضخم موجة توسعية في تاريخها، بضخ ما يقارب 480 مليون دولار على مدار السنوات الخمس المقبلة، وذلك في قلب مدينة قويسنا الجديدة بمحافظة المنوفية — تلك البقعة التي تتحول رويدًا رويدًا إلى رمزٍ للنهضة الصناعية في دلتا النيل.
الخبر ليس مجرد أرقام تُعلَن في اجتماع وزاري، بل هو تحوّل استراتيجي حقيقي في نمط التصنيع المحلي، يحمل في طياته رسالةً واضحة: مصر لم تعد ساحةً للتجميع فحسب، بل تسعى بجدية لأن تصبح قوةً مُصنِّعة تُصدِّر للعالم.
من غرف الاجتماعات إلى أرض المصانع
جاء الإعلان خلال لقاء موسّع جمع المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، بالمهندس محمد محمود العربي، الرئيس التنفيذي للمجموعة، في إطار جولة حوارية تقودها الحكومة مع كبار المصنعين لرصد التحديات ووضع خرائط طريق واضحة لمضاعفة الإنتاج.
وفي جلسة وصفها المشاركون بالصراحة والعمق، كشفت المجموعة عن طموحها في رفع طاقتها الإنتاجية، وتوطين صناعة الأجهزة المنزلية بشكل أعمق داخل السوق المصري، مع استهداف صريح لزيادة الصادرات نحو أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
90% محلي.. والهدف تجاوز ذلك
ربما تكون هذه النسبة هي الأكثر إثارةً للاهتمام في المشهد كله: 90% من مكونات منتجات العربي مصرية الصنع، في وقت تشكو فيه كثير من الصناعات من هشاشة سلاسل التوريد المحلية وهيمنة المستورد.
لكن المجموعة لا تكتفي بهذا الإنجاز؛ إذ تخطط لرفع هذه النسبة إلى مستويات أعلى، عبر توطين الصناعات المغذية والمكونات الدقيقة التي كانت تُستورد في السابق. وهذا بالتحديد ما يجعل الاستثمار القادم مختلفًا عن غيره: فهو لا يبني مصانع فحسب، بل يبني منظومةً صناعية متكاملة تُقلّص الاعتماد على الخارج وتُعظّم القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
العلم في خدمة المصنع
ما يميّز هذه المرحلة أيضًا هو الحديث الجادّ عن ربط البحث العلمي بالإنتاج الفعلي، في خطوة طال انتظارها. فبينما ظلت الجامعات المصرية لعقود تُنتج أبحاثًا تُحفظ في الأدراج، يسعى وزير الصناعة اليوم، بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي، إلى آلية عملية تقوم على محورين: الأول يحصر المشروعات البحثية القابلة للتطبيق الصناعي ويعرضها على المصنعين، والثاني يُحوّل احتياجات المصانع الفعلية إلى أجندة بحثية مُلزِمة للجامعات والمراكز العلمية.
الفكرة بسيطة في جوهرها: بدلًا من أن يسير العلم والإنتاج في مسارين متوازيين لا يلتقيان، تُصبح المصانع هي البوصلة التي توجّه البحث العلمي، والجامعات هي الرافد الذي يمدّ الصناعة بحلول حقيقية.
قويسنا.. المدينة التي تحمل رهانًا كبيرًا
اختيار قويسنا الجديدة ليس عشوائيًا؛ فالمدينة تقع في موقع لوجستي محوري بقلب الدلتا، وتُشكّل امتدادًا طبيعيًا للتجمعات الصناعية القائمة في المنطقة. والرهان هو أن تتحول إلى نموذج يُحتذى به في الربط بين البنية التحتية الحديثة ومتطلبات الإنتاج الضخم، لا سيما مع تعهّد الوزارة بتسريع إجراءات التراخيص الصناعية لضمان أن تدخل الطاقات الإنتاجية الجديدة حيز التشغيل في مواعيدها.
الصورة الكبيرة
في سياق أوسع، يأتي هذا الإعلان ليؤكد أن قطاع الأجهزة المنزلية المصري يُعيد تموضعه بجدية على خريطة الإنتاج العالمي. فمجموعة العربي ليست مجرد شركة تبيع ثلاجات وغسالات؛ إنها بمثابة تجربة نموذجية تُثبت أن الصناعة الوطنية المصرية قادرة على المنافسة، حين تتوافر الإرادة والتمويل والدعم المؤسسي.
نصف مليار دولار ليست رقمًا يُقرأ ويُنسى؛ إنها فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار لعبارة "صُنع في مصر" — هذه المرة، بمعناها الكامل والعميق.

