لم يكن القرار مفاجئًا لمن يتابع مسار الإصلاح الاقتصادي في مصر، لكنه جاء ثقيلًا على جيوب الملايين: رفع أسعار الوقود والغاز بنسب تتراوح بين 14% و30%، في الجولة الثالثة من تحريك أسعار الطاقة خلال عام واحد — وهو ما يُعيد تشكيل الحسابات اليومية للمواطن المصري من المحطة إلى المطبخ.
الأرقام الجديدة على أرض الواقع
طالت موجة الرفع الجديدة معظم منتجات الطاقة الاستهلاكية، إذ ارتفع سعر بنزين 80 من 13.75 إلى 15.75 جنيهًا للتر، وبنزين 92 من 17.25 إلى 19.75 جنيهًا، فيما قفز بنزين 95 من 19 إلى 21.75 جنيهًا. أما السولار فقد ارتفع من 13.75 إلى 15.75 جنيهًا للتر، وهو ما يمس بشكل مباشر منظومة النقل والبضائع ويُلقي بظلاله على أسعار كل شيء يُنقل بالشاحنات.
وعلى صعيد الغاز الطبيعي للمنازل، شهدت الأسعار ارتفاعات متفاوتة وفق الاستهلاك الشهري، بينما ارتفع أسطوانة البوتاجاز المدعومة بنسبة تجعلها أكثر ثقلًا على الأسر محدودة الدخل التي تعتمد عليها بشكل رئيسي.
ثلاث جولات في عام.. رحلة التحرير التدريجي
ما يُميّز هذه الجولة عن سابقتيها هو سياقها التراكمي؛ فمصر لم تنتظر طويلًا بين جولة وأخرى، في مسار يُعكس التزامًا صريحًا بمتطلبات برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، والذي يشترط تحريرًا تدريجيًا لأسعار الطاقة وصولًا إلى مستويات تعكس التكلفة الحقيقية، بدلًا من الإبقاء على دعم مكلف يُثقل الموازنة العامة للدولة.
الحكومة تُقدّم القرار باعتباره ضرورة إصلاحية لا مفر منها، وأداةً لإعادة توجيه الدعم نحو مستحقيه الفعليين بدلًا من إغراق السوق بطاقة مُقيَّمة بأقل من تكلفتها الحقيقية.
من يدفع الثمن الأكبر؟
المفارقة أن رفع أسعار الوقود لا يقف عند المحطة؛ فهو يُشعل سلسلة من التداعيات تبدأ بأسعار النقل وتمر بتكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي، وتنتهي على رفوف المحلات وموائد الأسر. الفلاح الذي يُشغّل مضخة ري بالسولار يشعر بالارتفاع مباشرة. سائق التوك توك والميكروباص يُلقي بالزيادة على الراكب. وصاحب المصنع الصغير يُعيد حسابات تكلفة إنتاجه من جديد.
وفيما يؤكد المسؤولون أن مصر تُوفر منظومة دعم اجتماعي — من بطاقات التموين إلى تحويلات حماية اجتماعية — تُخفف وطأة القرار على الأكثر هشاشةً، يظل السؤال الحقيقي: هل تصل هذه الشبكة الاجتماعية إلى كل من يحتاجها؟
موازنة تتنفس.. ومواطن يُحكم الحزام
من منظور الموازنة العامة، تعني هذه الزيادات توفير عشرات المليارات من الجنيهات كانت تذهب دعمًا لأسعار طاقة مُقيَّمة دون تكلفتها الفعلية. وهو ما يُسهم نظريًا في تقليص عجز الموازنة وتوفير موارد يمكن إعادة توجيهها نحو الصحة والتعليم والبنية التحتية.
لكن في الشارع المصري، يبدو المشهد مختلفًا: فالأسرة التي تحسب خبزها قبل أي شيء آخر لا تُفرّق بين جولة إصلاح أولى وثانية وثالثة — هي تشعر فقط أن الرقم في نهاية الشهر لم يعد يكفي كما كان.
إلى أين يتجه سعر الطاقة؟
السؤال الذي يطرحه كثيرون بعد ثلاث جولات في عام واحد: هل ثمة سقف للرفع؟ الإجابة الرسمية تُشير إلى أن المسار التدريجي لا يعني استمرار الارتفاعات بلا نهاية، بل يستهدف بلوغ نقطة توازن بين التكلفة الحقيقية وقدرة المواطن على التحمل. لكن تلك النقطة، في ظل معدلات تضخم لا تزال مرتفعة وضغوط دولار مستمرة، تبدو لكثير من المصريين أبعد مما ينبغي.
ما هو مؤكد أن مرحلة الطاقة الرخيصة في مصر انتهت — وأن ما يجري الآن هو تسعير جديد لعقد اجتماعي قديم، لم يُحسم بعد إذا كانت كفتاه متوازنة أم لا.

