كان سوق العقارات العالمي يُلوّح بأولى بوادر التعافي الحقيقي منذ سنوات من التضخم المرتفع وأسعار الفائدة القاتلة — ثم جاءت حرب إيران لتُعيد خلط الأوراق من جديد. فمنذ أن انطلقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران صباح السبت 28 فبراير 2026، والأسواق العالمية تعيش في حالة من القلق المتصاعد تمس كل قطاع، ولا يبدو أن العقارات بمنأى عن هذه العاصفة.
النفط يتجاوز 120 دولارًا.. والطاقة تُعيد رسم معادلة التمويل
الخيط الذي يربط حرب إيران بسوق العقارات ليس مباشرًا، لكنه حقيقي وعميق. ارتفعت أسعار النفط من أقل من 70 دولارًا للبرميل في فبراير إلى ما يقارب 120 دولارًا مطلع مارس، وذلك في أعقاب الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس نفط العالم. وبحسب الخبير الاقتصادي موريس أوبستفيلد، المدير التنفيذي السابق لصندوق النقد الدولي، فإن العالم يعيش اليوم السيناريو الكابوسي الذي كان يُشكّل الرادع الأكبر أمام أي تفكير في ضرب إيران.
هذه القفزة في أسعار الطاقة تعني مباشرةً ارتفاع تكاليف البناء والتشغيل — من الطاقة اللازمة لتشغيل المصانع التي تُنتج مواد البناء، إلى الوقود اللازم لنقل هذه المواد، وصولًا إلى فواتير الطاقة في المباني القائمة التي باتت عبئًا إضافيًا يُثقل ميزانيات الملاك والمستأجرين على حدٍّ سواء.
شبح التضخم يعود.. والبنوك المركزية في مأزق
حالة عدم اليقين تضرب الاستثمارات في مقتل، والأسمدة والسلع الغذائية وتكاليف الشحن كلها مسارات مرشحة للارتفاع — وهذا بالضبط ما يُقلق المستثمرين العقاريين أكثر من أي شيء آخر. فالسوق العقاري كان يراهن على موجة تخفيضات أسعار الفائدة من البنوك المركزية الكبرى، بعد أن نجح التضخم في التراجع خلال 2024 و2025. لكن عودة التضخم بفعل صدمة الطاقة الجديدة قد تدفع هذه البنوك إلى تأجيل خفض الفائدة أو حتى رفعها من جديد — وهو سيناريو يُعيد سوق الرهن العقاري إلى مربعه الأول.
ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا ينعكس على تكلفة الإنتاج والأسعار في مختلف القطاعات، وفي مقدمتها القطاع العقاري الذي يعتمد بشكل كبير على أسعار الطاقة في مرحلتَي البناء والتشغيل معًا.
الخليج والشرق الأوسط.. سوق عقاري في مهبّ الريح
مخاطر الحرب تحاصر اقتصادات الخليج بضربة متوقعة للاستثمار الأجنبي والسياحة والعقارات، في منطقة كانت تشهد نموًا عقاريًا استثنائيًا خلال السنوات الأخيرة. فدبي وأبوظبي والرياض والدوحة بنت جاذبيتها الاستثمارية جزئيًا على سمعة الاستقرار الإقليمي — وهي سمعة يتآكل بريقها كلما طالت الحرب وتوسعت جبهاتها.
تعمل دول الخليج وفق استراتيجية دقيقة لإدارة الأزمة عبر مسارين متوازيين: طمأنة الأسواق المالية المحلية وتفعيل خطط الطوارئ، وممارسة ضغوط دبلوماسية على واشنطن لكبح التصعيد. غير أن المستثمرين الأجانب الذين كانوا يُخططون لضخ رؤوس أموال في المشروعات العقارية الكبرى في المنطقة باتوا يُراجعون حساباتهم، في ظل مشهد تصعب قراءته أو التنبؤ بنهايته.
تكاليف الشحن ترفع فاتورة البناء عالميًا
أحد أكثر التأثيرات المباشرة على السوق العقاري يأتي من جهة غير متوقعة: التحويلات لمسارات أطول تعني ارتفاعًا بنسبة 15 إلى 30% أو أكثر في تكاليف الشحن بالنسبة لكثير من خطوط النقل البحري في الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا. وهذا يعني ببساطة أن مواد البناء الآتية من آسيا — من الصلب إلى الألومنيوم إلى البلاط والسيراميك — ستصل إلى المواقع الإنشائية في أوروبا وأمريكا وسائر العالم بتكلفة أعلى بكثير مما كان مخططًا له، مما يُهدد جدوى مشروعات كانت قيد التنفيذ أو التخطيط.
أوروبا تحت الضغط المزدوج
الغاز قفز 65% والنفط 15% في أسبوع في أوروبا، مما يعيد شبح أزمة ما بعد الحرب الأوكرانية — وهي أزمة أنهكت السوق العقاري الأوروبي لسنوات طويلة. وبينما تراهن الحكومات الأوروبية على مخزوناتها الاستراتيجية، يدرك المطورون العقاريون أن فواتير الطاقة الجديدة ستُعيد تشكيل معادلة ربحية مشروعاتهم من الأساس.
السيناريوهات.. بين الأمل والحذر
في حال الحرب الشاملة الإقليمية واستهداف البنية التحتية للنفط في المنطقة، فإن ذلك يعني شللًا مؤقتًا في الأسواق المالية، وهروبًا كاملًا للمستثمرين، وأضرارًا اقتصادية عالمية على المدى البعيد. بيد أن السيناريو الأكثر ترجيحًا في الأوساط التحليلية هو نزاع مطوّل يُبقي الأسواق في حالة توتر دون انهيار كامل — وهو بحد ذاته كافٍ لتجميد القرارات الاستثمارية الكبرى في القطاع العقاري لأشهر أو سنوات.
السوق الذي كان يُعدّ للتعافي، بات يستعدّ للصمود.

